الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

394

تفسير روح البيان

الحمير أوله زفير وآخره شهيق لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ في الدنيا بإرسال الرسل وإنزال الكتب وهو خطاب توبيخ وتقريع من جهة اللّه تعالى مقرر لجواب مالك ومبين لسبب مكثهم وفي التأويلات النجمية لقد جئناكم بالدين القويم فلم تقبلوا لان أهل الطبيعة الانسانية أكثرهم يميلون إلى الباطل كما قال وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ اى حق كان كارِهُونَ اى لا يقبلون وينفرون منه لما في طباعه من اتعاب النفس والجوارح واما الحق المعهود الذي هو التوحيد أو القرآن فكلهم كارهون له مشمئزون منه هكذا قالوا والظاهر ما أشار اليه في التأويلات فاعرف والكراهة مصدر كره الشيء بالكسر اى لم يرده فهو كاره وفي الآية إشارة إلى أن النفرة عن الحق من صفات الكفار فلا بد من قبول الحق حلو أو مر أو إلى أن اللّه تعالى ما ترك الناس سدى بل ارشدهم إلى طريق الحق بدلالات الأنبياء والأولياء لكن أكثرهم لم يقبلوا العلاج ثم إن أنفع العلاج هو التوحيد حكى عن الشبلي قدس سره انه اعتل فحمل إلى البيمارستان وكتب علي بن عيسى الوزير إلى الخليفة في ذلك فأرسل الخليفة اليه مقدم الأطباء وكان نصرانيا ليداويه فما أنجحت مداواته فقال الطبيب للشبلى واللّه لو علمت أن مداواتك من قطعة لحم في جسدي ما عسر على ذلك فقال الشبلي دوآئى في دون ذلك قال الطبيب وما هو قال في قطعك الزنار فقال الطبيب أشهد ان لا اله الا اللّه واشهد ان محمد اعبده ورسوله فأخبر الخليفة بذلك فبكى وقال نفذنا طبيبا إلى مريض وما علمنا انا نفذنا مريضا إلى طبيب ونظيره ما حكى ان الشيخ نجم الدين الاصفهاني قدس سره خرج مع جنازة بعض الصالحين بمكة فلما دفنوه وجلس الملقن بلقنه ضحك الشيخ نجم الدين وكان من عادته لا يضحك فسأله بعض أصحابه عن ضحكه فزجره فلما كان بعد ذلك قال ما ضحكت الا لأنه لما جلس على القبر يلقن سمعت صاحب القبر يقول الا تعجبون من ميت يلقن حيا أشار إلى أن الملقن وان كان من زمرة الاحياء صورة لكنه في زمرة الأموات حقيقة لممات قلبه بالغفلة عن اللّه تعالى فهو ماكث في جهنم النفس معذب بعذاب الفرقة لا ينفع نفسه فكيف ينفع غيره بخلاف الذي لقنه فإنه بعكس ذلك يعنى انه وان كان في زمرة الأموات صورة لكن في زمرة الاحياء حقيقة لان المؤمنين الكاملين لا يموتون بل ينقلون من دار إلى دار فهو ماكث في جنة القلب منعم بنعيم الوصال منتفع بأعماله وأحواله وله تأثير في نفع الغير أيضا بالشفاعة ونحوها على ما أشار اليه قوله تعالى فالمدبرات امرا مشو بمرك زامداد أهل دل نوميد * كه خواب مردم آگاه عين بيداريست فإذا عرفت حال ملقن القبر فقس عليه سائر أرباب التلقين من أهل النقصان وأصحاب الدعوى والرياء فان الميت يحتاج في احيائه إلى نفخ روح حقيقي وأنى ذلك لمن في حكم الأموات من النافحين فان نفخته عقيم إذ ليس من أهل الولادة الثانية نسأل اللّه سبحانه ان يجعلنا احياء بالعلم والمعرفة والشهود ويعصمنا من الجهل والغفلة والقيود أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً الإبرام احكام الأمر وأصله من إبرام الحبل وهو ترديد فتله وهو كلام مبتدأ وأم منقطعة وما فيها من معنى بل للانتقال من توبيخ أهل النار إلى حكاية جناية هؤلاء والهمزة للانكار فان أريد بالابرام الاحكام حقيقة فهي لانكار الوقوع واستبعاده وان أريد الاحكام صورة